أخبار مهمةخطبة الأسبوعخطبة الجمعةخطبة الجمعة القادمة ، خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف المصرية مكتوبة word pdfعاجل

خطبة الجمعة : مفهوم الوطن في ميزان الإسلام.. والتضحية من أجله أدوار متعددة ومسؤولية جماعية بقلم المفكر الإسلامي الدكتور أحمد علي سليمان

خطبة الجمعة ، بعنوان : مفهوم الوطن في ميزان الإسلام.. والتضحية من أجله أدوار متعددة ومسؤولية جماعية بقلم المفكر الإسلامي الدكتور أحمد علي سليمان، الجمعة: بتاريخ 11 شعبان 1447هـ الموافق 30 يناير 2026م.
 
 

 

لتحميل خطبة الجمعة القادمة بتاريخ 30 يناير 2026م ، للدكتور أحمد علي سليمان بعنوان : مفهوم الوطن في ميزان الإسلام.. والتضحية من أجله أدوار متعددة ومسؤولية جماعية :

لتحميل خطبة الجمعة القادمة بتاريخ 30 يناير 2026م، للدكتور أحمد علي سليمان بعنوان: مفهوم الوطن في ميزان الإسلام.. والتضحية من أجله أدوار متعددة ومسؤولية جماعية، بصيغة  pdf أضغط هنا.

ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 30 يناير 2026م ، للدكتور أحمد علي سليمان ، بعنوان : مفهوم الوطن في ميزان الإسلام.. والتضحية من أجله أدوار متعددة ومسؤولية جماعية : كما يلي:

 

التضحية من أجل الوطن أدوار متعددة ومسؤولية جماعية
مفهوم الوطن في ميزان الإسلام
رسول الله (ﷺ) يعلمنا الانتماء وحب الأوطان والتضحية من أجلها
من شمائل شهر شعبان وفضائل ليلة النصف
بقلم
الدكتـــور عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية

الجمعة: 11 شعبان 1447هـ / 30 يناير 2026م 

الحمد لله الذي جعل حبَّ الأوطان غريزةً في فطرة الإنسان، وجعل الذَّود عنها سبيلاً إلى النصر المبين..
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا (ﷺ) عبده ورسوله، خاتم المرسلين، وإمام الصابرين، وقائد المجاهدين، وأوفى الناس أجمعين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه الغر الميامين…
والصلاة والسلام الأتمان الأكملان، الأشرفان الأنوران، الأعطران الأزهران، المزهران المثمران، على مَن جُمِعت كلّ الكمالات فيه.. وعلى آله وصحبه وتابعيه..
فَمَبْلَغُ الْعِلْمِ فِيهِ أَنَّهُ بَشَرٌ * وَأَنَّهُ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ كُلِّهِمِ
مَوْلَايَ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِمًا أَبَدًا * عَلَى حَبِيبِكَ خَيْرِ الْخَلْقِ كُلِّهِمِ
اللهم رضّه عنَّا، وارض عنَّا، برضاه عنَّا.. ووضئنا يا ربنا بأخلاقه العظيمة، وحقق أمانينا بزيارته، وافتح لنا أبواب رؤيته، ونيل شفاعته، اللهم آمين يا رب العالمين…
أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله، فإنها وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى: (…وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ۚ…) (النساء: 131)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران: 102)، وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (الأحزاب: 70-71)، وقال الكريم جلَّ وعلا: (…وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (البقرة: 223).
أما بعد…
ما أجمل أن نستهل هذا الموضوع بالحديث عن سيدنا رسول الله (ﷺ):
يقول حسان بن ثابت (رضي الله عنه) ( ):
لَمَّا رَأَيْتُ أَنْوَارَهُ سَطَعَتْ * وَضَعْتُ مِنْ خِيفَتِي كَفِّي عَلَى بَصَرِي
خَوْفًا عَلَى بَصَرِي مِنْ حُسْنِ صُورَتِهِ * فَلَسْتُ أَنْظُرُهُ إِلَّا عَلَى قَدَرِي
رُوحٌ مِنَ النُّورِ فِي جِسْمٍ مِنَ الْقَمَرِ * كَحِلْيَةٍ نُسِجَتْ مِنَ الْأَنْجُمِ الزُّهَرِ
وقال عنه (ﷺ):
وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرِ قَطُّ عَيْنِي * وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ
خُلِقْتَ مَبْرَأً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ * كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ
حب الأوطان… من التأصيل الشرعي إلى الواجب العملي
المحور الأول: مفهوم الوطن في منظور الإسلام
الوطن في التصوّر الإسلامي ليس ترابًا وحدودًا برِّيَّةً أو بَحْرِيَّةً أو جَوِّيَّةً، أو إحداثياتٍ جامدة، ولا خطوطَ طولٍ ودوائرَ عرضٍ فحسب؛ بل هو الموئلُ الحاضن، والمظلّةُ الجامعة، وهو التاريخُ المتجذّر، والحضارة الملهمة، والحاضرُ الحيّ، والمستقبلُ المأمول، وهو المكانُ المستقرّ الآمن الذي يُقام فيه الدين، ويُصان فيه العِرض، وتُحفَظ فيه الكرامة، وتستقيم فيه الحياة الإنسانية على ميزان القيم والعدل… الوطن هو سائرُ مُكَوِّناتِ المجتمع، وشَتَّى مفرداتِه، وهو التراثُ الراسخ، والثوابتُ الحاكمة، بأصولها التي لا تتبدَّل، وفروعها التي تتجدَّد، وهو منظومةُ القيم والأخلاق التي تُشكِّل الوعي، وتضبط السلوك، وتحمي هُويةَ الأمَّة، وتحفظ لها توازنَها وكرامتَها واستمرارَها… وهو بوتقةُ التقدُّمِ والرُّقِيِّ والرَّفاهيةِ والازدهار، تُصهَرُ فيها الطاقات، وتتلاقى فيها الجهود، وتتكامل فيها العقول والسواعد، فتُبنَى الأوطانُ بناءً واعيًا، وتنهضُ الأممُ نهوضًا راسخًا، وتتحقّقُ معاني الاستخلاف والعمران وفق ما أراده الله (جلَّ في علاه).
والوطن هو الأرض التي سجدنا لله عليها، والبيوت التي تقلنا، والذكريات التي شكّلت وجداننا، والهوية التي ننتمي إليها.
ومن هنا كان حب الوطن والانتماء له من صميم الفطرة السوية، ومن لوازم الإيمان الصحيح؛ إذ لا دين بلا وطن آمن، ولا عبادة بلا استقرار كما ذكرنا.
الوطن كلمة تتخطى حدود الزمان والمكان وليس قطعة أرض أو حفنة تراب كما يظن بعض ضعاف القلب.. ضعاف البصيرة، بل إن الوطن له في القلب مكان ومكانة، وله في الوجدان حبٌّ لا يُزاحمه حبّ، ولا يُضاهيه شوق.
الوطن قيمة حياتية، وروحية، وحضارية
أهمية الوطن تفوق الوصف والخيال:
الوطن هو المأوى، وهو المهوى، وهو القرار، والمستقر، وهو الحضن الكبير الذي يضم أبناءه في السراء والضراء.
 الوطن هو المظلة التي تظلل الناس بالحماية والرعاية والعناية:
• وفي ظله يأمن الخائف.
• ويُعالج المريض.
• ويتعلم الجاهل.
• ويُكرم الكبير.
• ويُرحم الصغير.
• ويتراحم الناس والمخلوقات.
 الوطن هو ميدان الجهد والعطاء والبناء.
 وهو الأرض التي جعلها الله لك مستقرا، ومكانًا لرزقك وسعيك في الأرض.
 هو البيئة التي فيها أهلك، وجيرانك، وذكرياتك، وماضيك وحاضرك.
 وهو ميدان التكاليف الشرعية فيه تصلّي، وتصوم، وتزكّي، وتعلّم الناس الخير.
 هو مكان الانتماء الروحي والوجداني.
 هو المكان الذي ترتبط به العقيدة واللغة والتاريخ.
 هو الميدان الذي تُحمى فيه القيم.
 الوطن ليس ترابًا، بل هو العرض، والشرف، والدين، والمقدسات، والأجيال.
فلولا الوطن الآمن، لَمَا كان الاستقرار.
ولولا الوطن المستقر، لَمَا قامت حضارة.
ولولا الوطن المستقر لَمَا كان البناء والرخاء.
ولولا الوطن المستقر لَمَا كان التعايش.
ولولا الوطن المتعايش لَمَا كانت الحياة الهادئة الهانئة.
ولولا الوطن الآمن العادل لأكل القوي الضعيف.
ولولا الوطن لَمَا كانت العبادات والشعائر.
ولولا الوطن الحاضن، لَمَا تربى الأولاد على القيم والهُوية والانتماء.
ولولا الوطن القوي، لَمَا اندحر العدوان، ولَمَا صان الناسُ الأرض والعِرض.
ولولا الوطن المتماسك، لانفرط عقد المجتمع، وسادت الفتن والفوضى.
ولولا الوطن الراعي، لَمَا وجد المريض علاجًا، ولا الجائع طعامًا، ولا الجاهل علمًا.
ولولا الوطن المحصَّن، لَمَا صمدت الأمة أمام رياح التغريب والغزو الثقافي.
نعمة الوطن
الوطن ليس بقعة جغرافية تُحدّ على الخرائط كما أكدنا، بل هو كيان متكامل تتكون عناصره من:
1. الأرض
2. الإنسان
3. السلطة والقانون
4. القيم
5. الرسالة
ومن فقد أحد هذه العناصر، فقد شيئًا من وطنه، وربما فقد وطنه كله!
من أراد أن يعرف نعمة الوطن؟
مَنْ أصبحَ منكمْ آمنًا في سربِه:
عبد الله بن محصن (رَضِي اللهُ عنه) عن النبي(ﷺ): (مَنْ أصبحَ منكمْ آمنًا في سربِه، معافًى في جسدِه، عندَهُ قوتُ يومِه، فكأنَّما حيزتْ له الدنيا بحذافيرِها) ( ).
فمَن توفَّر له الأمانُ على نفسِه، أو على أهلِه، والسِّربُ هو السَّبيلُ أو الطريقُ، وقيل: البيتُ، وقيل: الأرضُ والمسكنُ والوطنُ، وتحصَّلت له العافيةُ في جسدِه، فسَلِم من المرضِ والبلاءِ، وكان صحيحًا، وتوفَّر له ما يحتاجُه من مؤونةٍ وطعامٍ وشرابٍ يكفي يومَه؛ فكأنما مَلَكَ الدنيا وجمعها كلَّها. وعلى العبدِ أن يحمدَ اللهَ (تعالى)، ويشكرَه على هذه النِّعَمِ العظيمة.
• اسألوا -أيها السادة- مَن حُرِموا الأوطان، اسألوا مَن يسكنون الخيام، أو يهيمون في دروب الغربة، كم يتمنَّون ذرَّةَ ترابٍ من بلادهم؟!
• الوطنُ نعمةٌ لا تُعرَف قيمتُها الحقيقية إلا عند الفقد، واسألوا الذين فَقَدوا الأوطان، وشُرِّدوا عنها، كم يبكون شوقًا وحنينًا إليها.
• وإذا أردتَ أن تعرف قيمةَ وطنِك، فتخيَّل يومًا -لا قدر الله- تُمنَع فيه من سماع الأذان، أو من دخول المسجد، أو من السلام على جارِك، أو من الأمان في بيتِك!.
• فاشكروا نعمَ اللهِ عليكم، وكونوا حُماةً لأوطانِكم بالعلم، والعمل، والأخلاق، والدعاء.
انظروا – عباد الله – إلى أحوال من فقدوا أوطانهم:
* يُشردون في الأرض.
* لا يجدون مأوى.
* لا يشعرون بالأمان.
* أُغلقت أمامهم الأبواب.
* وتقطعت بهم السبل…
فحافظوا على وطنكم، واحترموا أوطان الآخرين، وابنوا جسور المحبة والسلام التي ترفع من شأن الإنسانية.
رسول الله (ﷺ) يعلمنا الانتماء وحب الأوطان:
وطنه مكة المكرمة:
على الرغم مما تعرض له سيدنا النبي (ﷺ) والصحابة الكرام من إيذاء المشركين في مكة معنويًّا ونفسيًّا، واضطهادهم والسخرية من الرسول ووصفه بما لا يليق (حاشاه)، والإيذاء الجسدي والتحريض ضده وضد المسلمين، وتعذيبهم في الحر الشديد، والمقاطعة الاقتصادية والاجتماعية لهم وحصار بني هاشم ثلاث سنوات، وتخطيط قريش لقتل النبي (ﷺ)….إلخ، وغيره كثير تم على أرض مكة، وطنه الذي ولد فيه وتربي على ترابه، وعلى الرغم من ذلك فإنه حين منها، مُكرهًا لا مختارًا، في هجرته إلى المدينة وقف على مشارفها باكيًا، وقال: (واللَّهِ إنِّي أعلمُ أنَّكِ خَيرُ أرضِ اللَّهِ وأحبُّها إلى اللَّهِ ولَولا أنَّ أهلَكِ أخرَجوني مِنكِ ما خرَجتُ) ( ).
وعن عبد الله بن عديّ بن حمراء (رَضِي اللهُ عنه) قال: رأيْتُ رسولَ اللهِ (ﷺ) واقِفًا على الحَزْوَرَةِ فقال واللهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أرضِ اللهِ وأحبُّ أرضِ اللهِ إلى اللهِ ولَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ ما خرجْتُ) ( ).
يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عَديِّ رأيتُ رسولَ اللهِ (ﷺ) واقِفًا على الحَزْوَرةُ: وهو مكان مرتفِعٌ يُقابِلُ المسعَى مِن جِهَةِ المشرِقِ، وكان هذا سُوقًا مِن أسواقِ مكَّةَ، فقال (ﷺ) مُخاطِبًا مكَّةَ: “واللهِ، إنَّكِ لخَيرُ أرضِ اللهِ”، أي: أفضلُها وأعظمُها، “وأحبُّ أرضِ اللهِ إلى اللهِ، ولولا أنِّي أُخرِجتُ مِنكِ”، أي: بأمرٍ مِن اللهِ، وذلك بَعدَما زاد أذَى قُريشٍ له ولِمَن أسلَم معَه، “ما خرَجتُ.
وهكذا قد جسّد النبي (ﷺ) أسمى معاني الانتماء للوطن… فإذا كان هذا حال نبي الرحمة (ﷺ)، فما بال أقوام يهوِّنون من شأن الأوطان، أو يستخفون بقيمتها، أو يبخلون عليها بالعمل والوفاء؟.فحري بنا جميعا أن نوقر أوطاننا ونضحي من أجل حمايتها ورفعتها…
بشارة عاجلة من الله لنبيه والمسلمين:
لما قال الرسول (ﷺ) ما قال في حق مكة، أنزل الله (سبحانه وتعالى) قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ۚ…) (القصص: 85).
وذلك أن النبي (ﷺ) لما خرج من الغار مهاجرًا إلى المدينة، سار في غير الطريق المعهود مخافة الطلب، فلما أمن ورجع إلى الطريق نزل الجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة اشتاق إليها، فأتاه جبريل (عليه السلام) وقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟.
قال: نعم.
قال: فإن الله تعالى يقول: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ)، كما جاء في تفسير البغوي (رضي الله عنه)، وفي تفسير ابن كثير روى العوفي، عن ابن عباس: (لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ) لرادك إلى مكة كما أخرجك منها أهـ. وكانت هذه بشارة من الله تعالى، وقد تحققت في العام الثامن في فتح مكة.
وطنه المدينة المنورة:
حين دخل النبي (ﷺ) المدينة، بدأ في بناء الأمن الداخلي:
* آخى بين المهاجرين والأنصار.
* وضع وثيقة المدينة، أول دستور مدني يحمي الحقوق ويمنع الاعتداء.
* نهى عن إثارة الفتن.
ولما هاجر وأصحابه إلى المدينة رأي مدى حبهم لوطنهم مكة ومدى شوقهم إليها، فكان يسأل الله كثيرا أن يرزقه هو وأصحابه حبَّ المدينة حبًّا يفوق حبَّهم لمكة..
فعن أم المؤمنين السيدة عائشة (رضي الله عنها)، أن رسول الله (ﷺ) قال: (اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أوْ أشَدَّ، اللَّهُمَّ وصَحِّحْهَا، وبَارِكْ لَنَا في مُدِّهَا وصَاعِهَا، وانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بالجُحْفَةِ) ( ).
كما كان النبي(ﷺ) يكثر الدعاء لوطنه؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه)، أَنَّهُ قَالَ: كانَ النَّاسُ إذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاؤُوا به إلى النبيِّ (ﷺ)، فَإِذَا أَخَذَهُ رَسولُ اللهِ (ﷺ)، قالَ: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا في مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا في صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا في مُدِّنَا، اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وإنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وإنَّه دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وإنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بمِثْلِ ما دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَمِثْلِهِ معهُ)، قالَ: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ له فيُعْطِيهِ ذلكَ الثَّمَرَ ( ).
جبر خاطر الأنصار:
لما عفا النبي (ﷺ) في فتح مكة عمن أساءوا إليه وإلى المسلمين، وأكرم أهلها، ظنّ الأنصار أنه سيقيم بمكة ويترك المدينة، فقالوا: “أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته، ورغبة في قريته…”، وذلك لأنهم خافوا أن يؤثر المقام في مكة على المقام بالمدينة، فحملهم شدة محبتهم للنبي (ﷺ) وكراهة مفارقته، على هذا الكلام. وَنَزَلَ الوَحْيُ علَى رَسولِ اللهِ (ﷺ)، قالَ: قُلتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بعَشِيرَتِهِ، وَرَغْبَةٌ في قَرْيَتِهِ، أَلَا فَما اسْمِي إذنْ؟ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- أَنَا مُحَمَّدٌ عبدُ اللهِ وَرَسولُهُ، هَاجَرْتُ إلى اللهِ وإلَيْكُمْ، فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ( ).
نعمة الوطن تسبق كثيرًا من النعم:
قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ…) (البقرة: 126).
هل تأملتم؟
سيدنا إبراهيم (عليه السلام)، حين دعا لأعظم بلد -مكة المكرمة- سأل الله أول ما سأل: الأمن، لأن الوطن لا قيمة له بلا أمن.. فقدَّم الأمن على الطعام، وفي هذا ترتيب إلهي يدل على أهمية الوطن كمصدر للأمان والاستقرار، وميدان للعبادة والتمكين.
الوطن مقرّ التكاليف.. فلا حجّ بلا وطن يُنطلق منه، ولا زكاة بلا مال يُكتسب فيه، ولا صيام ولا صلاة بلا أمنٍ واستقرار.
الأمن في الوحي الشريف
(آمِنِينَ) ثلاثيةُ الأمن الإلهي: الجنةُ، ومكةُ، ومصر
لقد ميَّز الله (سبحانه وتعالى) ثلاثةَ أماكنَ واختصَّها في كتابه الكريم بوصف الأمن، فجاء التعبير القرآني عنها بلفظٍ واحدٍ جامع: (آمِنِينَ)؛ إيذانًا بعِظَم المنزلة، ورفعة الشأن، وكمال النعمة.
1. فكانت الجنة دارَ الأمن الأبدي، حيث قال سبحانه: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ) (الحجر: ٤٥–٤٦).
2. وكانت مكة المكرمة بلدَ الأمن والسكينة، ومهوى الأفئدة، حيث قال تعالى: (لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) (الفتح: ٢٧).
3. ثم كانت مصر، وطنَنا الغالي الحبيب، دارَ أمنٍ وطمأنينة، وملاذًا للمستضعفين، حيث قال الله تعالى على لسان يوسف (عليه السلام): (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) (يوسف: ٩٩).
ويا لها من فريدة عظيمة من الله الكريم…
وهكذا فالأمنُ نعمةٌ إلهيةٌ كبرى، إذا اقترنت بالمكان رفعته، وإذا فُقِدت منه أظلمت الحياة، وقد شاء الله تعالى أن يجمعها للجنة دارِ الجزاء، ولمكةَ قبلةِ المسلمين، ولمصرَ بلدِ الحضارة والرسالة والتاريخ وغوث البلاد والعباد.
مصر… وطننا الذي باركه الله، فهلا حافظنا عليه:
وطنُنا – باركَهُ الله – وطنٌ مباركٌ بفضلِ الله، فضَّلهُ الله وأعلَى ذِكرهُ بين العالمين، وشرفَهُ بأن:
 مصر وطن عاشَ فيه عددٌ من أنبياء الله.
 ومنه كانت السيدة هاجر أم سيدنا إسماعيل وهو أبو العرب.
 وتجلى الله على بقعةٍ فيه ولم يتجلَّ على بقعةٍ سواها.
 وعلى أرضه كَلَّمَ اللهُ موسى تكليمًا.
 وذَكرَهُ في القرآنِ العظيمِ تصريحًا وتلميحًا.
 ووصف الداخلين فيه بأنهم آمنين.
 وشرَّفهُ بأن جعل أهله من أوائلِ الأمم دخولا في الإسلامِ.
 ومن هذا الوطن تزوج النبي (ﷺ) من السيدة مارية القبطية.
 وامتدح النبي (ﷺ) أهل مصر وجند مصر، وأوصى بأهلها خيرا.
 وفي ثراهُ دُفن عددٌ كبيرٌ من صحابةِ سيدِنا النبي (ﷺ).
 وفيه عاشَ عددٌ كبير من آلِ بيتِه الكرام، وأيضا من أولياء الله الصالحين.
 ومنحَهُ اللهُ نهرَ النيل، وهو أحدُ أنهارِ الجنة.
 وأكرمَهُ بالأزهرِ الشريف، ذلكم الشريان الحيوي الذي تنتقل من خلاله علوم الإسلام إلى كل أرض الله، في إطار من الفهم الواعي والدقيق لشرع الله ومقاصدة البانية للمحبة والتسامح والسلام، بعيدًا عن تحريفِ الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين… إنه قبلة العلم الديني وعطيةِ اللهِ لمصرَ والعالمِ وللأجيال.
وطن كهذا ألا يستحق التكريم؟ ألا نكرم ما كرَّمه الله؟
الوطن مبنى ومعنى… الوطن قيم وأخلاق.. الوطن تاريخ وحضارة وحاضر ومستقبل… الوطن أمن وأمان وإيمان… الوطن ليس حفنة من التراب كما يصفه الجهلاء… فيا عباد الله، الوطن ليس شعارًا نردده، بل عهدٌ نحمله، ومسؤولية نُؤديها، ونعمةٌ يجب أن نرعاها بشكرها، وصونها، وحمايتها؛ فالوطن تاج فوق الرؤوس، ومن ضيّع وطنه، ضيّع نفسه ودينه وأمّته. فحافظوا عليه بحبكم، وبعملكم، وباتحادكم، فإن في الأوطان تُبنى الأجيال، وتُصان الرسالات، وتتحقق الكرامات.
الوطن هو الرئة الكبرى التي يتنفس منها الموطنون:
الوطن عزيز جدًّا على الإنسان الوطني المخلص، فهو الرئة التي يتنفس منها…
وهو الشريان الحيوي الذي يمد الأشخاص بدعائم الأمن والقوة والسكينة والطمأنينة.
وهو مهد الإنسان، ومقر نشأته وتربيته وعبادته، وتعليمه وعمله وزواجه وشيخوخته وفي ثراه يدفن الإنسان ويُكرَّم…
الوطن عزيز على الإنسان وحتى الحيوان!:
 الوطن ليس غاليا على الإنسان فحسب؛ بل إن الوطن عالي على المخلوقات
 فالطير يعرف قيمة وطنه ومستقره
 والحيوان يعرف قيمة مكانه
 والنحل يعرف قيمة وطنه
فالطير إذا أُخذ من عشه بذل كل ما في وسعه ليعود إليه، والبهائم تألف أوطانها، فكيف بمن كرّمه الله بالعقل والدين؟.
الوطن أمانة من الأمانات، وحبُّه واجب
نعم الوطن أمانة عظيمةٌ في أعناقنا… أمانة في رعايته وتنميه وتقويته وخدمته ورعايته وحمايته، فهو أمانة من الأمانات، والله تعالى يقول: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) (المؤمنون: 8).
وحبَّ الوطن ليس شعاراتٍ تُردَّد، بل هو انتماء عميقٌ يتجلّى في أفعالٍ صادقة تعبِّر عن الوفاء، والتضحية من أجل رفعة الوطن وعزّته.
مقاصد الشريعة لا تستقيم إلا في وطن آمن:
قال العلماء: مقاصد الشريعة وهي:
1. حفظ الدين.
2. والنفس.
3. والعقل.
4. والنسل.
5. والمال.
كلها لا تستقيم إلا في وطنٍ آمن مستقر.
مجالات حماية الوطن:
إن حماية الوطن لا تقتصر على حمل السلاح فقط، أو الوقوف على الحدود فحسب، بل هي شاملةٌ لكل صور الخير التي تصون الوطن، وتدفع عنه الفتن، وتقوِّيه في وجه الأعادي والفساد، وتنميه وتجعل مكانته عالية، ورايته شامخة.
وحماية الوطن مسؤولية جماعية تحفظ بها الكرامة وتُصان بها الحياة.
وقد تنوعت صور الحماية لتشمل الأمن، والأسرة، والقيم، والثروات، والمؤسسات…إلخ في تكامل يرسخ الاستقرار ويصنع النهضة. وفيما يلي أهم مجالات حماية الوطن، التي ينبغي لكل مواطن أن يسهم فيها بصدق وإخلاص:
o حماية الأمن الداخلي.
o حماية الأمن الخارجي.
o حماية القيم الدينية والثقافية.
o حماية اللغة العربية واللسان القومي.
o حماية المقدسات والمواقع التاريخية.
o حماية التاريخ والذاكرة الوطنية.
o حماية المؤسسات الديمقراطية.
o حماية المؤسسات من الفساد والانهيار.
o حماية مؤسسات الدولة من العبث والفساد والانهيار.
o حماية الوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية.
o حماية الأسرة وبنائها على أسس سليمة.
o حماية المرأة والطفل من الاستغلال والعنف والتغريب.
o حماية الأطفال من الاستغلال والتغريب.
o حماية الشباب من الانحراف والتيارات المتطرفة.
o حماية التعليم والمؤسسات التربوية.
o حماية العلم ودعم المؤسسات العلمية.
o حماية الإعلام الوطني من التضليل والاختراق.
o حماية الثقافة والهوية الوطنية.
o حماية الأمن السيبراني والمعلوماتي.
o حماية الرموز الوطنية والدينية.
o حماية الاقتصاد والبنية التحتية.
o حماية المقدرات والثروات والموارد الطبيعية.
o حماية البيئة والتوازن البيئي.
o حماية الصحة العامة والمنشآت الطبية.
o حماية الوطن من التفكك والفتن والصراعات الداخلية.
o حماية الوطن من الجريمة المنظمة والعنف.
o حماية الوطن من الغزو الفكري والثقافي.
o حماية الوطن من الغزو الاقتصادي والتجاري.
o حماية الوطن من الانعزال الدولي أو الذوبان في الآخر.
o حماية العلاقات الدولية ومكانة الوطن عالميًا.
واجبات المسلم تجاه وطنه
أيها المسلم، كن نافعًا لوطنك، وشارك في عزه بإتقانك وأخلاقك، ولا تكن عبئًا عليه:
1. أدِّ عملك بإخلاص.
2. لا تضرّ مرافقه.
3. كن نزيهًا في معاملاتك.
4. اغرس في أولادك معاني الانتماء.
5. ادعو لوطنك بالخير والصلاح والقوة والنماء والرخاء والاستقرار والازدهار.
6. اعمل على نهضته بما يقدر عليه.
7. عليك بالذود عنه بما تسطيع.
8. قم بتربية النشء على الوفاء والانتماء والمسؤولية.
فمن أحبّ وطنه بحق، لم يخنه، ولم يُفسده، ولم يُضيّع مقدراته.
حماية الوطن مسؤولية جماعية
الأمن ليس مسؤولية الجند فقط، بل إنه مسؤولية جماعية:
* الأمّ تحمي الوطن بتربية أبنائها على الانضباط.
* والأب يحميه بكسب الحلال.
* والمعلم يحميه بالتعليم الصادق.
* والإمام يحميه بالكلمة الهادفة.
* والشاب يحميه بسلوك نظيف. وهكذا دواليك.
كيف نحافظ على أمن أوطاننا؟
1. بالإيمان والعمل الصالح.
2. بالبعد عن الشائعات، والتحقق من الأخبار.
3. بتجنب الفتن، والوقوف صفًا واحدًا خلف قيادتنا وجيشنا وأمننا.
4. مواجهة التخريب والفساد.
5. بتربية النشء على الانتماء وعلى البناء.
مشروعية الدفاع عن الأوطان
لقد قرر القرآن الكريم مشروعية الدفاع عن الديار والأوطان، وربط ذلك برفع الظلم ونصرة الحق، فقال تعالى:
(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ.الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 39-40).
وقال سبحانه: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ.إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (آل عمران: 139-140).
فالدفاع عن الوطن دفاع عن الدين، وفي ضياع الأوطان تضيع المساجد، وتُهدر الكرامات، ويُشرَّد العباد.
التضحية في سبيل الوطن تجارة رابحة
إن التضحية من أجل الوطن بيعٌ رابح مع الله، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 111).
وما أعظم منزلة المرابطين الذين سهروا لتأمن الأمة، وبذلوا أرواحهم ليحيا غيرهم، عنهم يقول (ﷺ): (عَينانِ لا تمَسَّهما النَّارُ: عينٌ بكت من خشيةِ اللهِ، وعينٌ باتت تحرسُ في سبيل اللهِ) ( ).
وقال (ﷺ): (رِباطُ يَومٍ ولَيْلَةٍ خَيْرٌ مِن صِيامِ شَهْرٍ وقِيامِهِ، وإنْ ماتَ جَرَى عليه عَمَلُهُ الذي كانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عليه رِزْقُهُ، وأَمِنَ الفَتّانَ) ( ).
الإيثار أساس بناء الأوطان
ليست التضحية في التضحية بالأرواح فقط وهي أعلى وأثمن وأغلى أنواع التضحية، بل هناك إيثارٌ، وبذلٌ، وتقديمٌ للمصلحة العامة.
وقد خلد القرآن موقف الأنصار حين آووا ونصروا، فقال: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: 9).
وقال الشاعر:
وللأوطان في دم كل حرٍّ * يدٌ سلفت ودَينٌ مستحقُّ
ولا يبني الممالك كالضحايا * ولا يُدني الحقوق كمثل حقِّ
التضحية في الواقع المعاصر: مسؤولية الجميع
من صور التضحية في زماننا
إن التضحية من أجل الوطن في زماننا هذا ليست حكرًا على ساحات القتال، بل لها صور متعددة:
* تضحية العامل والموظف: بإتقان العمل، وتحمل المسؤولية، وبذل الجهد لرفعة الاقتصاد، وتحقيق الرفاهية للعبلاد والعباد.
* تضحية المعلّم والمربي: ببناء الإنسان الصالح النافع الرافع لأمته، وبناء الوعي، وتحصين العقول، وتربية الأجيال على الانتماء.
* تضحية عامة الناس: بالحفاظ على المال العام، وكف الأذى، واحترام النظام، ووحدة الصف وترقية الحياة.
الوحدة والتكافل صمام الأمان
أيها الأخوة المؤمنون: أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمدًا (ﷺ) رسولُ الله.. عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله.. يقول الحق (تبارك وتَعَالَى): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران: 102).
من فضائل شهر شعبان
ولنا في شهر شعبان وقفة… كأن شهر رجب هو الريح، وشعبان هو الغيم، ورمضان المطر والغيث..
ويقال: رجب شهر الزرع، وشعبان شهر السقي، ورمضان شهر الحصاد..
أيها المؤمنون: كان النَّاس في الجاهليَّة يفضِّلون شهرَ رجب على سائر الشهور ويعظمونه، وكان المسلمون يفضِّلون شهرَ رمضان المبارك ويعظمونه، والنَّبي (ﷺ) بيَّن لنا فضلَ شهر شعبان. فعَنْ السيدة عَائِشَة (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا)، قَالَتْ: كانَ رَسولُ اللَّهِ (ﷺ) يَصُومُ حتَّى نَقُولَ: لا يُفْطِرُ، ويُفْطِرُ حتَّى نَقُولَ: لا يَصُومُ، فَما رَأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ (ﷺ) اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إلَّا رَمَضَانَ، وما رَأَيْتُهُ أكْثَرَ صِيَامًا منه في شَعْبَانَ( ).
وعن أسامة بن زيد (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قلتُ يا رسولَ اللهِ لم أرَك تصومُ من شهرٍ من الشُّهورِ ما تصومُ شعبانَ قال: (ذاك شهرٌ يغفَلُ النَّاسُ عنه بين رجبَ ورمضانَ وهو شهرٌ تُرفعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين وأُحِبُّ أن يُرفعَ عملي وأنا صائمٌ) ( ). وكان شهر شعبان من أكثر الشُّهورِ الَّتي يَصومُ فيها رسول الله (ﷺ)، فكان يَصومُ غالِبَه؛ وإنَّما كان يُكثِرُ مِن الصِّيامِ في شَهرِ شَعبانَ خُصوصًا؛ لماذا؟
1. لأنَّه شَهرٌ تُرفَعُ فيه الأعمالُ لربِّ العالَمِين، أي أن الملائكة تَرْفع صحائف النَّاس إلى الله، وكان (ﷺ) يُحِبُّ أنْ يُرفَعَ عملُه وهو صائمٌ.. وإذا كانت الأعمال ترفع إلى الله فماذا تريد أن يُرفع إلى الله منك؟ فيُحِبُّ أن ترفعَ وهو صائم، فترفع الأعمال على أحسن أحوالها. ورَفْعُ الأعمال إلى الله تعالى مع كونه صائمًا أَدْعَى إلى القبول عند الله تعالى.
2. كما أنَّه شَهرٌ يَغفُلُ عنه كَثيرٌ مِن النَّاسِ بيْن رجَبَ ورَمَضانَ، وإنَّ العمل الصالح في أوقات الغفلة أشق على النفوس، ومن أسباب أفضلية الأعمال مشقتها على النفوس.
3. وفي هذا الشَّهر ليلةٌ مباركة هي ليلةُ النِّصف من شعبان.
4. في شعبان تمَّ تحويلُ القبلة، وهو حدَثٌ عَظيم في تاريخ الأمَّة الإسلاميَّة.
قال ابن رجب رحمه الله: صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم، وأفضل التطوع ما كان قريب من رمضان قبله وبعده، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها وهي تكملة لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده، فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة فكذلك يكون صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بَعُد عنه.
اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وفقنا الله للاستعانة بنعم الله على طاعة الله، وعلى ترقية الحياة…
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وفي النهاية نشكر الله (تعالى) العظيم الأعظم، الكريم الأكرم، الحكيم الأحكم، الذي هيأ لنا الأسباب، وأفاض علينا وأثاب، وألهمنا جليلَ الخطاب، وفتح لنا واسعَ الأبواب في العلم والخير والنفع.
نسأل الله أن يحفظ أوطاننا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللَّهُمَّ احفظها من كل سوء، وبارك لنا فيها، واجعلها دار أمنٍ وإيمان، وسلامٍ وإسلام. اللَّهُمَّ من أرادها بسوء فاجعل تدبيره تدميره، وردّ كيده إلى نحره.
اللَّهُمَّ أصلح ولاة أمورنا، وهيّئ لهم البطانة الصالحة الناصحة، ووفقهم لما فيه خير العباد والبلاد.
اللَّهُمَّ احفظ شبابنا من الفتن، وألّف بين قلوبنا، ووفّقنا للعمل الصالح الذي يرضيك عنا.
اللهم احفظ مصر شرقها وغربها، شمالها وجنوبها، طولها وعرضها وعمقها، بحارها وسماءها ونيلها، ووفق يا ربنا قيادتها وجيشها وأمنها وأزهرها الشريف، وعلماءها، واحفظ شعبها، وبلاد المحبين يا رب العالمين.
اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا اللهم طهّر قلوبنا من الكبر، وزيّنها بالتواضع،اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارِك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(…رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (النمل: 19)، (..الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ…) (الأعراف:43)… اللهم تقبل هذا العمل من الجميع… وبالله تعالى التوفيق
خادم الدعوة والدعاة
د/ أحمد علي سليمان
عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية
والحاصل على المركز الأول على مستوى الجمهورية في خدمة الفقه والدعوة (وقف الفنجري 2022م)
المدير التنفيذي السابق لرابطة الجامعات الإسلامية- عضو نقابة اتحاد كُتَّاب مصر
واتس آب: 01122225115 بريد إلكتروني: drs- liman55555@gmail.c- m
يُرجي من السادة الأئمة والدعاة متابعة الصفحة الرسمية، وعنوانها:
(#معارج_الدعاة خُطب منبرية وقضايا فكرية وتربوية معاصرة د. أحمد علي سليمان؛ لمتابعة كل جديد

https: //www.facebook.com/share/16u6EDacEw/?mibextid=LQQJ4d

لقراءة الخطبة أو تحميلها كاملا يرجي تحميل الخطبة من ملف pdf بالأعلي

 _____________________________________

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة القادمة

 

وللإطلاع علي قسم خطبة الجمعة

 

تابعنا علي الفيس بوك

 

الخطبة المسموعة علي اليوتيوب

 

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات

 

وللإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة

 

للمزيد عن أخبار الأوقاف

 

للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف

 

للمزيد عن مسابقات الأوقاف

 

اظهر المزيد

كتب: د.أحمد رمضان

الدكتور أحمد رمضان حاصل علي الماجستير من جامعة الأزهر بتقدير ممتاز سنة 2005م ، وحاصل علي الدكتوراه بتقدير مع مرتبة الشرف الأولي من جامعة الأزهر الشريف سنة 2017م. مؤسس جريدة صوت الدعاة ورئيس التحرير وكاتب الأخبار والمقالات المهمة بالجريدة، ويعمل بالجريدة منذ 2013 إلي اليوم. حاصل علي دورة التميز الصحفي، وقام بتدريب عدد من الصحفيين بالجريدة. للتواصل مع رئيس التحرير على الإيميل التالي: ahmed_dr.ahmed@yahoo.com رئيس التحريـر: د. أحمد رمضان (Editor-in-Chief: Dr. Ahmed Ramadan) للمزيد عن الدكتور أحمد رمضان رئيس التحرير أضغط في القائمة علي رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى